محمد عبد الله دراز
214
دستور الأخلاق في القرآن
الخاصة ، ثمّ نمد بعضها على بعض ؟ . وهل من حقنا أن نقول لرئيس أن يعامل من هم أعلى منه رتبة معاملته لمرءوسيه ؟ وأن نطلب إلى زوج أن يعامل كلّ نساء الدّنيا كما يعامل زوجته ، والعكس ؟ . إنّ كلّ واجب ، إذا تعدى حدوده الخاصة - قد يتوقف عن أن يكون واجبا ، ولربما يصير جريمة . فالأمر إذن أمر عمومية نسبية ، لا يمكن لامتدادها أن يتحدد إلا تبعا لطبيعة عناصره التّكوينية ، وبالقياس إلى مجموعة الظّروف المناسبة . وتقسيم الواجبات وتحديدها هو العمل الجوهري لعالم الأخلاق بمعنى الكلمة ، فكيف نشرع في هذا العمل ؟ أيمكن أن نصل إلى النّسبي ابتداء من المطلق ، دون أية مساعدة خارجية ؟ وكيف نحدد ألوان رسم من الرّسوم ، وتفاصيله الّتي يضعها فيه الفنان بالاعتماد على الشّكل فقط ؟ وكيف يتسنى لنحوي قح ، من حيث كونه كذلك أن يكون قادرا على إعطاء المبررات للمعاني العميقة في المقال ، وألوان الأسلوب ؟ إننا إذا أردنا أن نحول الأخلاق إلى رياضيات ، بل وأكثر من من رياضيات ، فربما أصبح الأمر غريبا وغير مقبول ، ويا لها من أعجوبة ! ! وإذا كان من المستحيل ، واقعا ، أن نستنبط جميع نظريات الهندسة من مبدأ واحد ، فكيف نأمل أن نحصل من ذلك على نجاح أكبر في علم السّلوك ؟ وإذن ، ففي حالة نقص الاستنباط الدّقيق ، لأنّه مستحيل في هذه الظّروف ، نشهد لدى « كانت » محاولة للتقريب تتفاوت في براعتها ، بين الشّكل ، والمادة ؛